بقلم: صابر المشرفي
باحث في الشأن التركي
القاهرة (زمان التركية)ــ سمّى العقيد الأمريكي المتقاعد دوغلاس ماكغريغور الأشياء بأسمائها، أو هكذا يعتقد. فعندما سُئل: لماذا يبالغ الرئيس دونالد ترامب في مدح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان؟ ولماذا يتحدث عن رفع العقوبات عن تركيا وإعادة فتح باب مقاتلات «F-35» أمامها؟ أجاب بكلمة واحدة: “الرشوة”.
لم يكن يقصد رشوة بالمعنى القانوني، بل صفقة سياسية تجري خلف الأبواب المغلقة: تحصل أنقرة على ما ظلت تطالب به طوال سنوات، مقابل أن تقف بعيدًا عن الحرب، وألا تتحول معارضتها لإسرائيل من خطاب غاضب إلى فعل يربك الحسابات الأمريكية والإسرائيلية.
والدقة هنا واجبة؛ فترامب لم يسلّم تركيا الطائرات، وإنما أعلن عزمه رفع العقوبات المفروضة عليها منذ عام 2020، وأبدى استعداده للنظر في بيعها مقاتلات «F-35» وما تزال هناك عقبات قانونية واعتراضات داخل الكونغرس، فضلًا عن مشكلة منظومة «S-400» الروسية التي تملكها تركيا. (رويترز)
لكن السياسة لا تنتظر دائمًا اكتمال العقود. مجرد فتح الباب أمام عودة تركيا إلى برنامج الطائرات المتطورة يحمل رسالة واضحة: واشنطن مستعدة لدفع ثمن مناسب كي تبقى أنقرة على الهامش.
أردوغان يعرف ما يريد
في الحوار، وصف المذيع أردوغان بأنه «سيد اللعب على الحبلين»، والعبارة، على ما فيها من سخرية، تلخص جانبًا أساسيًا من السياسة التركية في عهد أردوغان؛ فالرئيس التركي لا يتعامل مع التحالفات بوصفها روابط أبدية، بل أوراقًا قابلة للاستخدام والمساومة: تركيا عضو في حلف الناتو، لكنها اشترت منظومة دفاع جوي من روسيا، تتفاوض مع واشنطن، ولا تقطع خيوطها مع موسكو، ترفع سقف خطابها ضد إسرائيل، لكنها تزن خطواتها العملية بميزان دقيق.
وهنا يرى ماكغريغور أن أردوغان أذكى من ترامب؛ لأنه قادر على قبول العرض الأمريكي من دون أن يمنح واشنطن التزامًا دائمًا. قد يقول: سنبقى بعيدين عن الحرب، لكن عليّ أن أخاطب شعبي، وأن أظهر في الجانب الصحيح من القضية، وبعد ذلك يلتزم بما قاله إلى أن تتغير الظروف أو يرى أن مصلحة بلاده تقتضي موقفًا آخر.
إذن، حياد تركيا ــ إن تحقق ــ لن يكون موقفًا نهائيًا، بل قرارًا تكتيكيًا محكومًا بتطورات الحرب.
كما أن أردوغان، مهما بلغت قدرته على المناورة، لا يتحرك في فراغ؛ فالشارع التركي يحمل تعاطفًا واسعًا مع غزة وغضبًا واضحًا من السياسات الإسرائيلية. صحيح أن التعاطف الشعبي لا يعني تلقائيًا الرغبة في خوض حرب، لكنه يضيّق المساحة التي يستطيع صانع القرار أن يتحرك فيها، ويجعل الحياد الكامل أمرًا يصعب تسويقه إلى ما لا نهاية.
يستطيع أردوغان أن يؤجل، وأن يساوم، وأن يرفع صوته حينًا ويخفضه حينًا، لكنه لا يستطيع تجاهل هذا المزاج الشعبي، خصوصًا إذا اتسعت الحرب واقتربت آثارها من المصالح التركية المباشرة.
مَن يخيف إسرائيل حقًا؟
يستعيد ماكغريغور في حديثه زيارة قام بها إلى إسرائيل عام 2013، بالتزامن مع الذكرى الأربعين لحرب أكتوبر. كان وقتها يعمل على فصل في كتاب يتناول الجبهة المصرية في حرب 1973، وقدم عرضًا أمام عدد من الإسرائيليين حول التهديدات التي تواجه دولتهم.
فاجأهم بقوله: إن إيران ليست التهديد الوجودي الوحيد الذي ينبغي أن يشغلهم. نعم، تستطيع إيران إطلاق الصواريخ والمسيّرات، ويمكنها إلحاق أضرار كبيرة بإسرائيل، لكنها لا تملك القدرة على الوصول إليها بقوات برية أو غزوها عسكريًا.
أما تركيا فالأمر مختلف.
تركيا دولة قريبة، لها جيش كبير، وصناعة دفاعية تتقدم بسرعة، وقاعدة سكانية واقتصادية واسعة. وهي فوق ذلك تنتمي إلى تاريخ حكمت فيه الدولة العثمانية فلسطين ومناطق واسعة من الشرق الأوسط قرونًا طويلة.
لا يعني هذا أن الجيش التركي يستعد لغزو إسرائيل، أو أن الحرب بين البلدين أصبحت حتمية. لكن التفكير الاستراتيجي لا ينظر فقط إلى نيات اليوم؛ بل يهتم أيضًا بقدرات الغد. وإسرائيل تعلم أن تركيا، إذا تحولت يومًا من المنافسة السياسية إلى المواجهة، تملك من عناصر القوة ما لا تملكه دول أخرى في المنطقة.
إيران تهدد إسرائيل بالصواريخ، أما تركيا فتقلقها بحجمها وجيشها وموقعها وذاكرتها التاريخية. ولهذا لا ينحصر القلق الإسرائيلي من حصول أنقرة على «F-35» في الجانب الفني، بل يرتبط بالخوف من ظهور قوة إقليمية قادرة على منافسة التفوق الجوي الإسرائيلي.
مصر التي لا تغيب عن الحسابات
ليس من المصادفة أن تتشكل رؤية ماكغريغور هذه وهو يدرس الجبهة المصرية في حرب أكتوبر. فمصر هي الدولة التي حطمت عمليًا أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يُقهر، وأثبتت أن التفوق العسكري لا يمنع المفاجأة ولا يضمن النصر.
قد تمر العقود وتتغير الحكومات، لكن الدول لا تنسى اللحظات التي تعرض فيها أمنها للخطر. ولهذا ظلت مصر حاضرة في العقل الاستراتيجي الإسرائيلي، حتى في ظل معاهدة السلام.
واليوم تعود مصر إلى قلب المشهد من بوابة غزة، فقد كان موقفها الرافض لتهجير الفلسطينيين إلى سيناء أحد أهم الحواجز التي حالت دون تمرير هذا المخطط، وهذا الرفض لم يكن موقفًا عاطفيًا أو مجرد تضامن مع الشعب الفلسطيني؛ فالتهجير يعني تصفية القضية، ونقل الصراع إلى الأرض المصرية، وتحويل سيناء إلى ساحة لأزمة لا تنتهي.
من هنا، لا يمكن النظر إلى تركيا وحدها باعتبارها القوة القادرة على تعديل ميزان المنطقة، فمصر ما تزال مركز ثقل عربيًا لا يمكن تجاوزه: بموقعها، وجيشها، وعدد سكانها، وحدودها مع فلسطين المحتلة، ومكانتها السياسية والتاريخية.
تركيا قوة إقليمية صاعدة، لكن مصر هي العقدة التي تمر عندها معظم ترتيبات المنطقة، سلمًا أو حربًا.
ما الذي يقلق واشنطن وتل أبيب؟
تستطيع الولايات المتحدة ممارسة الضغط على تركيا، كما تستطيع إدارة خلافاتها مع مصر، لكن المشهد يتغير إذا انتقلت العلاقة بين القاهرة وأنقرة من تجاوز خلافات الماضي إلى بناء تنسيق استراتيجي طويل المدى.
ولا يشترط هذا التقارب قيام حلف عسكري أو إطلاق شعارات كبرى، يكفي أن تتوافق الدولتان على عدد من المصالح الأساسية: منع تهجير الفلسطينيين، ورفض تغيير خرائط المنطقة بالقوة، وحماية استقرار الدول، وتنسيق المواقف في غزة وسوريا وشرق المتوسط.
مصر تملك الموقع والعمق العربي والخبرة العسكرية، وتركيا تملك صناعة دفاعية متنامية وعلاقات ممتدة في آسيا وأوروبا وعضوية مؤثرة في الناتو، وإذا اجتمعت عناصر القوة لدى البلدين حول رؤية سياسية مشتركة، فسوف يظهر في المنطقة ميزان جديد، أقل خضوعًا للإرادة الأمريكية وأقدر على الحد من الاندفاع الإسرائيلي.
هذه، في تقديري، هي المعادلة التي ينبغي أن تشغل واشنطن وتل أبيب أكثر من أي خطاب غاضب يصدر من هنا أو هناك. فالكلمات يمكن احتواؤها، أما المصالح المشتركة حين تتحول إلى مؤسسات وتنسيق دائم، فمن الصعب تفكيكها.
ما بعد تركيا الأتاتوركية
ظل الغرب ينظر إلى تركيا طويلًا باعتبارها دولة أوروبية الهوى، أطلسية الاتجاه، يمكن ضبطها بصفقات السلاح ووعود الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، لكن هذه النظرة لم تعد كافية لفهم تركيا اليوم.
تركيا لم تتخلَّ تمامًا عن إرث أتاتورك، ولن تنسحب بسهولة من الناتو، ولا تستطيع الاستغناء عن علاقاتها الاقتصادية مع أوروبا. لكنها، في الوقت نفسه، أعادت اكتشاف جذورها في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي وآسيا الوسطى. إنها تستفيد من الغرب، لكنها لم تعد مستعدة لأن تحبس نفسها داخله.
والأهم من موقف الحكومات هو ما يجري داخل المجتمعات، فقد كشفت مأساة غزة عن شعور شعبي واسع بوحدة المصير، يتجاوز الحدود والخلافات السياسية. لم تتوحد السياسات بعد، ولم تتحول العاطفة إلى مشروع متكامل، لكن شيئًا عميقًا يتحرك في الوجدان العربي والإسلامي.
إن ما وصفه ماكغريغور ببدء التحام «ديار الإسلام» قد لا يكون حلفًا سياسيًا قائمًا، لكنه يقظة لا ينبغي الاستهانة بها. وإذا التقت هذه اليقظة الشعبية بتقارب حقيقي بين القاهرة وأنقرة، وبقدر من التنسيق العربي والإسلامي، فلن تبقى المنطقة مجرد ساحة تتحكم فيها القوى الخارجية.
يستطيع ترامب أن يرفع العقوبات، وأن يبيع أردوغان طائرات «F-35»، وأن يشتري بذلك قدرًا من الوقت. لكنه لن يستطيع شراء ذاكرة الشعوب، أو إطفاء غضبها، أو إبقاء العالم العربي والإسلامي متفرجًا إلى الأبد.



















