القاهرة (زمان التركية)ــ بين تأسيس النظام الملكي المصري في فبراير 1922 وانقلاب الضباط الأحرار على الملك فاروق في يوليو 1952، شهدت القاهرة ثلاثة عقود من التحول. وقد ساهم الملكان فؤاد وفاروق بشكل كبير في تشكيل هذا التحول، حيث سعيا لجعل العاصمة مركزاً للحداثة المنشودة.
تُشكّل قصة هذه العقود الثلاثة جوهر كتابٍ مُحرّرٍ من خمسة عشر فصلاً، نشرته دار العين قبل بضعة أشهر بعنوان “القاهرة الملكية – ١٩٢٢-١٩٥٢”. ومن المقرر إصدار نسخة إنجليزية من الكتاب في وقت لاحق من هذا العام.
يقدم هذا الكتاب، الذي حرره المعماري والمؤرخ نزار الصياد، وهو مؤلف لعدة كتب، بما في ذلك مجلدات محررة أخرى، عن تاريخ المدينة، وحسن حامد، وهو مؤرخ من جيل أصغر، منظورًا غير شائع لتاريخ المدينة قبل 23 يوليو 1952. ووفقًا لهذا المجلد، فإن القاهرة التي يشار إليها غالبًا باسم القاهرة الخديوية هي على الأرجح مزيج من القاهرة الخديوية والقاهرة الملكية – على الأقل في بعض الجوانب، وخاصة الجوانب الحضرية.
معظم المباني التاريخية الرئيسية في المدينة اليوم شُيّدت في عهد فؤاد وفاروق، لا سيما بعد تولي فؤاد الحكم، بعد خمس سنوات من توليه مقاليد الحكم عام ١٩١٧، تحت الاحتلال البريطاني. ويُذكّر الكتاب القراء بأن بعض هذه المباني حلّت محلّ مبانٍ شُيّدت في عهد الخديوي إسماعيل، الذي حكم بين عامي ١٨٦٣ و١٨٧٩، والذي كانت رؤيته للحداثة تقوم ببساطة على “أوروبية” القاهرة.
لا يسعى هذا الكتاب، الذي يزيد عدد صفحاته عن 550 صفحة، إلى تقديم مقارنة بين القاهرة في عهد إسماعيل أو في عهد ابنه فؤاد وحفيده فاروق. بل يقدم الكتاب سردًا روائيًا، بقلم 12 مؤلفًا من تخصصات متنوعة، يُظهر فؤاد وفاروق كنموذجين بارزين لرؤية الحداثة الانتقائية، إذ صُممت الحداثة في حالة الحكام الثلاثة لتكون حكرًا على نخبة محدودة، لا على عامة الشعب.
في الواقع، يُذكّر الكتاب القراء بأنّ الجزء من القاهرة المعروف اليوم بالقاهرة الخديوية، والذي يُعتبر عمليًا قلب القاهرة، بُني بعيدًا عن الجزء القديم من المدينة، الذي ظلّ يعاني من علامات التدهور حتى حاصر الضباط الأحرار قصر عابدين للإطاحة بالملك فاروق. لكنّ هذا الكتاب يُركّز أكثر على الجانب الحضري من تاريخ القاهرة خلال العصر الملكي.
من خلال منظور أوسع، يُظهر الكتاب مدينةً استلهمت من الطبقة الوسطى المتنامية وثورة 1919، وكلاهما كرّس الحداثة واستقلال الأمة. وبالنظر إلى الفصول المخصصة للجوانب الاجتماعية والثقافية لتاريخ القاهرة بين عامي 1922 و1952، نجد أن بعض عناصر الحداثة قد انتشرت على نطاق واسع نسبيًا. ويشمل ذلك إنشاء الخدمات العامة الحديثة، والمستشفيات الحديثة، والمتاحف، والجامعة، وظهور الإذاعة والسينما، اللتين تمكنتا من تجاوز التفاوت الاجتماعي والاقتصادي الحاد الذي كان سائدًا آنذاك.
من خلال تسليط الضوء على التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية في المدينة، يتحدى الكتاب في الواقع الذكريات الحنينية المفرطة أحيانًا عن العصر الذهبي للقاهرة. علاوة على ذلك، يكشف الكتاب أيضًا عن النية السياسية العميقة لملكي مصر لترسيخ سلطتهما وإرثهما ومحو جميع الروايات الأخرى.
أقام فؤاد وفاروق مباني وتماثيل “صُممت” لتأكيد رواية أرادا نشرها: القاهرة من صنع إسماعيل وفؤاد وفاروق. وكما يُبين الكتاب، كانت الفكرة هي طمس تاريخ الحكام في الفترة ما بين 1879 و1917، حين حكم البلاد توفيق وعباس حلمي الثاني وحسين كامل. في الواقع، يُذكّر الكتاب القراء بأنه لتحقيق هذا الغرض، غيّر فؤاد اسم شارع عباس (شارع رمسيس حاليًا) إلى شارع الملكة نازلي، نسبةً إلى زوجته ووالدة فاروق. إلا أن الشارع شهد تغييرات لاحقة في اسمه، حين قرر فاروق حذف اسم والدته، إثر خلاف بينهما، ليُطلق عليه اسم “الملكة”، ثم “نهضة مصر”.
إن مسألة إعادة الاستيلاء هي بالتأكيد واحدة من أكبر القصص التي تتناولها فصول الكتاب باستمرار، قبل وبعد 23 يوليو 1952. وشمل ذلك إزالة قبة ضريح خديوي لوضعها على مكان دفن ومسجد جمال عبد الناصر، الذي حكم مصر من عام 1954 حتى وفاته عام 1970.
إن تاريخ المدينة، كما يرويه الكتاب، ذو طابع سياسي بالغ الأهمية، إذ يُظهر مظاهر الصراع الذي شمل القصر والاحتلال البريطاني وحزب الوفد الحاكم. كما يُبرز الكتاب العديد من مظاهر المقاومة الشعبية للاحتلال البريطاني بعد ثورة 1919، وتأثير ذلك على مسألة الهوية المعقدة. وفي إحدى حلقات الكتاب التي تتناول مسألة الهوية، يُشير إلى انعقاد جلسة نقاش برلمانية لتحديد الطراز المعماري لضريح سعد زغلول.
وفي النهاية، تم الاتفاق على نمط مصر القديمة.
يقدم كل فصل من فصول الكتاب سردًا مثيرًا للإعجاب للغاية للعديد من جوانب تاريخ المدينة – وهو في الواقع تاريخ الطريق نحو الاستقلال، حيث تمثل الحداثة جزءًا من هذا الطريق.















