بقلم: السفير ماهر المهدي
القاهرة (زمان التركية)ــ من مؤكد الأمور أن مقتل الرئيس الأمريكي جون فيتزجيرالد كينيدي (أو جيه إف كيه) في الثاني والعشرين من نوفمبر من عام 1963 في دالاس بولاية تكساس، قد يعد أحد عجائب البشرية في العصر الحديث؛ بالنظر إلى مضي أكثر من خمسة عقود من الزمان دون معرفة القاتل الحقيقي الذي اغتال رئيس أكبر دولة ديمقراطية في عقر داره، وبين أهله، ووسط كامل قواته وقدراته، وأنهى دور الرجل وحياته إلى الأبد برصاصة واحدة أصابت أيضاً الحاكم كونالي. بل وقذف الشك في قلب الولايات المتحدة الأمريكية تجاه رجالها في مجتمع المخابرات الأمريكي ذاته -وعلى قدم المساواة مع المافيا الأمريكية- وتجاه حليف استراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية وهو إسرائيل.
فيبدو أن أحداً لم يقتنع بأن القاتل هو لي هارفي أوزوالد الذي أدانته لجنة وارن وقُتل لاحقاً على يد رجل آخر يدعى جاك روبي. وهناك أسباب واضحة للشك والتساؤل؛ أولها مسار الرصاصة القاتلة -للطبيعة الفيزيائية للمسار- وثانيها مقتل لي هارفي أوزوالد ذاته قبل محاكمته، إذ ما المصلحة في مقتله؟ ثم ضبابية ماهية الدافع الشخصي الذي يحمل لي هارفي أوزوالد على التضحية بمستقبله وحياته وإنهاء عمره بجريمة قتل تزلزل بلده ووطنه. ولذلك -في ضوء الظروف المصاحبة لواقعة القتل- اتجهت الأنظار إلى الاتحاد السوفيتي، وإلى المخابرات الأمريكية بسبب خليج الخنازير وأزمة الصواريخ في كوبا والخلاف حول مجمع الصناعات العسكرية. كما اتجهت أنظار الشك إلى المافيا الأمريكية بسبب تضييق الرئيس كينيدي عليها ومحاربته لها، واتجهت الشكوك إلى إسرائيل؛ بسبب معارضة كينيدي لامتلاك إسرائيل للسلاح النووي، وإصراره على إخضاع البرنامج النووي الإسرائيلي للتفتيش الدولي سنوياً، ورفض كينيدي إعطاء ضمانات مطلقة بحماية إسرائيل قبل موافقة الأخيرة على التفتيش، الأمر الذي أدى إلى استقالة بن غوريون قبل وفاة كينيدي بشهرين.
الرئيس دونالد ترامب أدى خدمات عظيمة إلى إسرائيل: اعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، واعترف بسيادة إسرائيل على الجولان المحتلة، وألغى الاتفاق النووي الذي أحرزته حكومة الرئيس أوباما بعد ست سنوات كاملة من المفاوضات مع إيران، وخرج على العالم بما عُرف باسم “صفقة القرن” خلال ولايته الأولى، ووافق على قيام إسرائيل بضرب إيران واغتيال كافة قادتها غدراً أثناء التفاوض مع إيران، ووضع كل الضغوط الدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية على إيران، وضربها عسكرياً وضرب البنية التحتية فيها وحاول غزوها واحتلالها ووصل إلى حد التهديد بمحو إيران وحضارتها.
في المقابل، فإن الرئيس ترامب هو الذي يتصدى أيضاً الآن لإسرائيل بشكل علني يتضمن التوبيخ المسيء لرئيس الوزراء الإسرائيلي، ويتهمه بحب القتل والرغبة في قصف كل شيء وتدمير كل شيء لحد فقد السيطرة على التصرفات وذهاب عقله. والرئيس ترامب هو الذي وقع مذكرة التفاهم مع إيران في قصر فرساي والتي تمنح إيران -أكثر مما كانت تحلم به بكثير- وتمنح إيران فرصة لا سابق لها لاستعادة أنفاسها، وإعادة بناء بنيتها التحتية، وتطوير قدراتها في مختلف المجالات، وإعلان نفسها سيدة المنطقة. والرئيس ترامب هو الذي يهدد إسرائيل بأنها قد تصبح وحدها في مواجهة مشاكلها إذا لم تستمع إلى الولايات المتحدة الأمريكية في أي وقت.
فإذا كانت الشكوك حول قيام إسرائيل باغتيال الرئيس الراحل جون فيتزجيرالد كينيدي في نوفمبر من عام 1963 لإيمانها بتخليه عنها وعدم مساعدتها، فإنه لا شك في قيام إسرائيل بقتل رئيس وزرائها السابق إسحاق رابين، الحائز على جائزة نوبل للسلام، في الخامس من نوفمبر من عام 1995 عقب مظاهرة تأييد خرجت في تل أبيب من أجل اتفاق أوسلو، وذلك على يد المواطن الإسرائيلي إيغال عمير لإيمانه بأن “رابين يخون إسرائيل ويسلم أرض إسرائيل إلى العرب، وأن قيامه بقتل رابين إنما قام به تنفيذاً لحكم التوراة”. فمقتل رابين هو رد فعل اليمين الإسرائيلي المعلن بشكل دموي على كل الساسة الإسرائيليين وعلى كل من يحاول قَضَّ حلم اليمين في كامل الأرض.
فنظريتا قتل كينيدي -لمحاولته منع إسرائيل من امتلاك السلاح النووي- وقتل رابين بالفعل لمحاولة تحقيق السلام مع الفلسطينيين بزعم تسليم أرض إسرائيل إلى العرب، هما واقعتان لا يمكن تجاهلهما وتجاهل خبرة إسرائيل في الاغتيال. نجد أيضاً أن أساس خطاب نتنياهو منذ مجيئه إلى السلطة منذ عقود هو “الأمن أولاً، ولا تنازلات ثانياً”.
هناك منافسون وهناك أعداء للولايات المتحدة الأمريكية، وربما كانت إسرائيل على رأس هؤلاء الأعداء وليس إيران أو كوريا الشمالية أو الصين أو روسيا؛ لأن الرئيس ونائبه جيه دي فانس قد يبدوان أحياناً على الجانب المعادي لإسرائيل والأحلام الإسرائيلية في أعين المتشددين والمتطرفين الإسرائيليين على الأقل. ولذلك، فربما يكون الرئيس دونالد ترامب في خطر محدق الآن، خاصة وأن الرئيس ترامب يفعل ما يقول ولا يهدد والسلام.





