أنقرة (زمان التركية)- يبدو أن فرنسا باتت على أعتاب فتح صفحة جديدة وجذرية في علاقاتها مع تركيا، وذلك بعد فترة طويلة من الجفاء والتوترات التي هيمنت على ملفات ساخنة مثل سوريا وأرمينيا وشرق المتوسط.
ووفقاً لتقرير نشره موقع “ميدل إيست آي”، فإن باريس تعيد ترتيب العلاقات ليس فقط من منظور ثنائي، بل كركيزة أساسية لإعادة صياغة الأمن الأوروبي بالكامل.
وفي هذا السياق، أفاد مصدر غربي مطلع على الملف بأن “فرنسا تخطط لمستقبل الأمن الأوروبي وترى في تركيا أحد أحجار الزاوية الرئيسية لهذا الهيكل الجديد”.
وأضاف المصدر أن هذه الشراكة ستكتسب أهمية بالغة في السنوات المقبلة، لا سيما مع المبادرة الفرنسية لتأسيس “تحالف الراغبين” (Coalition of the Willing)، وهو أول تنظيم عسكري خارج مظلة الناتو يهدف إلى تقديم ضمانات أمنية للقارة منذ الحرب العالمية الثانية.
هذا التقارب لـم يأتِ من فراغ؛ إذ ترى باريس في برود العلاقات التدريجي بين أنقرة وموسكو إشارة إيجابية للغاية.
فقد تراجعت الاتصالات بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين بشكل ملحوظ، ولم تشهد الدولتان أي زيارة ثنائية على مستوى الرؤساء منذ عام 2023.
علاوة على ذلك، أظهر المسؤولون الأتراك التزاماً متزايداً بالعقوبات الغربية ضد موسكو، ولم تجدد أنقرة اتفاقيات الغاز الضخمة مع روسيا.
ويوضح السفير الفرنسي السابق لدى واشنطن، جيرارد آرو، أن الكثيرين في فرنسا أُعجبوا بالسياسة الذكية التي انتهجتها تركيا منذ بداية حرب أوكرانيا؛ حيث نجحت في إدارة الأزمة دون معاداة أحد، مع الوقوف الفعلي إلى جانب كييف.
وأشار آرو إلى أن الساحة الدولية تشهد عودة تركيا كقوة كبرى، وأن السؤال المطروح الآن هو كيفية توظيف هذه القوة في الأمن الإقليمي.
وأضاف: “هناك شعور قوي في باريس بأن الأمريكيين تركونا لمصيرنا. وأياً كان الفائز في انتخابات الرئاسة الأمريكية، فلن نعود إلى العلاقات التقليدية السابقة مع واشنطن. سنواجه ضغوطاً روسية، وفي هذه المعادلة، تبدو تركيا لاعباً حاسماً”.
وتتقاطع مصالح البلدين حالياً في ملفات إقليمية عدة؛ ففي سوريا، تدعم كل من فرنسا وتركيا إدارة الرئيس أحمد الشرع. وفي لبنان، ترغب العاصمتان في رؤية دولة مركزية قوية وتعارضان التحركات الإسرائيلية، كما تفضلان الحل السلمي للملف الإيراني.
وفي هذا الصدد، أشار مصدر آخر إلى أن إسرائيل لا ترغب في وجود فرنسا بلبنان والمنطقة، وكلما تبنت مواقف أكثر عدوانية ضد تركيا، تسببت في إشعال أزمات مع باريس عبر الملف اللبناني.
وتتجاوز هذه الشراكة الملفات السياسية لتصل إلى عمق قطاع الدفاع. فقد أعلن وزير الدفاع التركي، يشار غولر، مؤخراً عن اهتمام أنقرة الجاد بشراء منظومات الدفاع الجوي “SAMP/T” التي ينتجها كونسورتيوم فرنسي إيطالي، وهي الصفقة التي جمدتها باريس لسنوات بسبب التوترات السياسية ومطالب أنقرة بالإنتاج المشترك.
لكن المؤشرات تبدلت؛ إذ كشفت تقارير استخباراتية أن الرئيس إيمانويل ماكرون وجه بإعادة دراسة برنامج “SAMP/T” لبحث كيفية تلبية مطالب تركيا بالإنتاج المشترك قبيل قمة الناتو المقررة في أنقرة.
وتوجت هذه الخطوات بزيارة أليس روفو، المبعوثة والمستشارة الدبلوماسية المقربة من ماكرون، إلى أنقرة لإجراء محادثات رفيعة المستوى، مما يعزز احتمالية طرح اتفاقية ملموسة خلال القمة.
وعلى صعيد الشركات، وقعت عملاق الدفاع الفرنسي “سافران” (Safran) اتفاقية شراكة استراتيجية مع شركة “بايكار” (Baykar) التركية الرائدة في صناعة المسيرات.
وتهدف الشراكة لتطوير حلول متكاملة تجمع بين الأنظمة الكهروبصرية، وأنظمة الملاحة، والأسلحة الموجهة للمسيرات والمهام الجوية-البرية. وكمرحلة أولى، سيتم تزويد مسيرات “TB2” الشهيرة بنظام “Euroflir” الكهروبصري الفرنسي، وسط تطلعات فرنسية لتوسيع الحوار ليشمل شراكات في قطاع المروحيات أيضاً.
وفيما تحولت الشركات التركية إلى قوة عالمية بصادرات دفاعية بلغت 10 مليارات دولار العام الماضي، يرى السفير السابق آرو أن أوروبا تعاني مشكلة حقيقية في صناعتها الدفاعية، مستشهداً بانهيار برنامج “نظام القتال الجوي المستقبلي” (FCAS) المشترك بين فرنسا وألمانيا والذي تبلغ قيمته 114 مليار دولار.
وقال آرو: “الأتراك حققوا نجاحاً كبيراً؛ فسلاحهم أرخص وأكثر استدامة. قد لا تكون بعض الأسلحة التركية فائقة التعقيد، لكن حرب أوكرانيا أثبتت أن ميزة حروب المستقبل تكمن في القدرة على إنتاج أسلحة كثيرة ورخيصة”.
ورغم هذا التفاؤل، تبدي الخبيرة دوروتي شميد، رئيسة قسم تركيا والشرق الأوسط في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية (IFRI)، نظرة أكثر حذراً، معتبرة أن باريس ما زالت ترى في التوجهات التركية سياسة قائمة على القوة والمصالح الذاتية التي قد لا تتوافق دائماً مع المصالح الأوروبية.
ولا تزال هناك ملفات مزمنة عالقة؛ إذ تجنب ماكرون تلبية دعوات أردوغان المتكررة لزيارة أنقرة منذ عام 2022.
وتشير مصادر فرنسية إلى أن قيام ماكرون بزيارة رسمية قد يظل رهناً بإقدام أنقرة على فتح حدودها مع أرمينيا، نظراً لثقل الجالية الأرمنية في فرنسا وتأثيرها السياسي.
كما يبرز الخلاف حول قرار أنقرة حظر التحاق المواطنين الأتراك بالمدارس الفرنسية في تركيا، وهو ملف غرق في السجالات البيروقراطية ومبدأ المعاملة بالمثل التي تطالب بها أنقرة.
ويبقى ملف شرق المتوسط والتحالف الدفاعي الفرنسي-اليوناني أحد أعقد الملفات.
ويرى آرو أن ماكرون بالغ في انحيازه المطلق لأثينا، خارقاً مبدأه الدبلوماسي الشهير “في الوقت نفسه” الذي يقوم على التوازن. وكشف آرو أن مسؤولين فرنسيين كباراً يشاركونه الرأي بضرورة تحسين العلاقات مع تركيا، وأن ماكرون يدرك ذلك ويسعى للتصحيح.
في المقابل، يقلل المسؤولون الأتراك من شأن الخطاب الفرنسي لحماية اليونان، معتبرين إياه مجرد “سيناريو مضخم” الهدف منه تسويق السلاح الفرنسي لأثينا.
ومع اقتراب رحيل ماكرون عن السلطة في أبريل من العام المقبل، تبرز علامة استفهام حول هوية الخليفة المحتمل، لا سيما إذا وصلت اليمينية مارين لوبان أو خليفتها جوردان بارديلا إلى الإليزيه.
ومع ذلك، تكشف المصادر أن أنقرة، بقراءتها الاستشرافية للمشهد، فتحت بالفعل قنوات اتصال مع معسكر لوبان لضمان استمرارية الخارطة الجديدة، أياً كان ساكن الإليزيه القادم.









