أنقرة (زمان التركية)- نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية تحليلاً موسعاً سلطت فيه الضوء على التحول الجذري في مكانة تركيا داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) على مر السنين، وذلك قبيل انطلاق قمة الحلف التي تستضيفها العاصمة أنقرة.
وأشار التحليل إلى أن تركيا، التي كانت تُعرف قبل سنوات قليلة بأنها “الولد المشاغب” داخل الحلف، قد تضاعفت قيمتها الاستراتيجية بشكل ملحوظ في ظل التطورات والمتغيرات العالمية الراهنة.
وذكر التحليل، الذي كتبه الصحفي “بن هوبارد”، أن التحركات التركية في الماضي القريب كانت تثير قلق واستياء حلفائها الغربيين؛ حيث رفضت أنقرة فرض عقوبات على روسيا على خلفية الحرب في أوكرانيا، في وقت كان يصف فيه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان نظيره الروسي فلاديمير بوتين بـ “صديقي العزيز”.
ومع ذلك، فإن المشهد الدولي شهد تبدلاً متسارعاً أدى إلى إعادة صياغة موازين القوى.
ووفقاً للصحيفة، فإن الأزمات العالمية المتعاقبة، بدءاً من الحروب في أوكرانيا وإيران، وصولاً إلى عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، قد “منحت أردوغان أوراق ضغط ونفوذ جديدة”.
وأكد التحليل أن القيمة الاستراتيجية لأنقرة باتت في تصاعد مستمر، لدرجة أن أردوغان يستقبل اليوم قادة الناتو بوصفه قائداً يمتلك قدرات وإمكانات تُعد حاسمة ومصيرية لمستقبل الحلف بأكمله.
وعزا التحليل هذا الثقل الاستراتيجي إلى شبكة العلاقات الدبلوماسية الواسعة التي تتمتع بها تركيا، والتي لا تقتصر على القوى الكبرى في الشرق والغرب فحسب، بل تمتد لتشمل البلقان وإفريقيا والشرق الأوسط، وهي علاقات نجحت أنقرة في توظيفها للوساطة في أزمات متعددة.
واستشهدت الصحيفة بالدور التركي الذي ساهم في منع انزلاق سوريا إلى فوضى عارمة عقب الإطاحة ببشار الأسد في عام 2024، فضلاً عن علاقاتها مع حركة حماس التي شكلت ميزة نوعية ومفيدة في محادثات السلام الخاصة بملف قطاع غزة.
ويرى التحليل أن الحرب في أوكرانيا والمواقف الصارمة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه الحلف كانا العاملين الأكثر تأثيراً في تعزيز مكانة تركيا داخل الناتو. فتركيا تمتلك ثاني أكبر جيش في الحلف بعد الولايات المتحدة، وتسيطر بالكامل على المنافذ البحرية المؤدية إلى البحر الأسود، وتشكل الجزء الأكبر من الجناح الجنوبي للناتو.
علاوة على ذلك، باتت تركيا تمتلك صناعة دفاعية متنامية؛ حيث تجاوزت صادراتها العسكرية من قذائف المدفعية والطائرات المسيرة 10 مليارات دولار في العام الماضي، وتتميز الشركات التركية بقدرتها على إنتاج الأسلحة بسرعة أكبر وبتكلفة أقل مقارنة بنظيراتها الغربية.
وفي لفتة تاريخية، أشار التحليل إلى أن هذه القمة هي الأولى للناتو التي تُعقد في تركيا منذ عام 2004، عندما كان جورج بوش الابن رئيساً للولايات المتحدة وأردوغان في بداية عهده كرئيس للوزراء.
وضمن هذا السياق، يُتوقع أن يمنح ترامب الضوء الأخضر لإتمام صفقة بيع مقاتلات “إف-35” إلى تركيا.
وعلى الرغم من هذا التقارب، يلفت التحليل إلى أن مستويات الثقة بين تركيا وبعض أعضاء الناتو لا تزال منخفضة بسبب الخلافات السياسية والمخاوف المتعلقة بمدى التزام أردوغان بالديمقراطية. وفي المقابل، تبدي أنقرة استياءها من محاولات إقصائها من جهود تعزيز الدفاع الأوروبي عبر الاتحاد الأوروبي، الذي لا تتمتع بعضويته.
واختتمت الصحيفة تحليلها بالإشارة إلى أن رغبة الناتو في العمل والتعاون مع تركيا قد منحت أردوغان مكسباً داخلياً كبيراً، يتمثل في تعزيز سلطته المحلية وسط صمت دولي. فبينما يعبر مسؤولو الناتو في اللقاءات المغلقة عن قلقهم بشأن مدى التزام تركيا بالقيم التأسيسية للحلف، مثل الحريات الفردية، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، وسيادة القانون، خاصة مع استمرار احتجاز مرشح الرئاسة ورئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو؛ إلا أن القليل منهم فقط يجرؤ على إثارة هذه الملفات علناً، مدفوعين بمخاوف عميقة تتعلق بالأمن القومي لبلدانهم.



















