أنقرة (زمان التركية)- تعتمد قدرة الموظف على العمل من المنزل أو عن بُعد داخل الاتحاد الأوروبي بشكل كبير على جغرافية البلد الذي يعيش فيه، وطبيعة بنية اقتصاده، والتشريعات القانونية الحاكمة له.
وفي هذا السياق، كشفت أحدث البيانات الرسمية عن وجود فجوة عميقة بين الدول الأوروبية في تبني آليات العمل المرنة، حيث وصلت الفوارق بين بعض الدول إلى نحو 16 ضعفاً، مما يعكس انقساماً هيكلياً واضحاً في أسواق العمل عبر القارة العجوز.
ووفقاً للبيانات الصادرة عن مكتب الإحصاء الأوروبي “يوروستات”، فإن خارطة التوظيف الأوروبية باتت تنقسم بشكل حاد؛ ففي الوقت الذي يباشر فيه 20.5% من الموظفين في فنلندا مهامهم “من المنزل عادةً”، تنخفض هذه النسبة في رومانيا التي تذيلت القائمة إلى 1.3% فقط.
العمل من المنزل
ويُعرّف “يوروستات” مصطلح “العمل من المنزل عادةً” بأنه إنجاز الموظف لمهامه من بيئته المنزلية خلال نصف أيام العمل على الأقل، ضمن إطار زمني مدته أربعة أسابيع.
وفي تعليقه على هذه المؤشرات، أشار جودت غيراي أكسوي، نائب مدير الأبحاث في البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية (EBRD)، إلى أن هذا النمط لم يعد مجرد ظاهرة مؤقتة.
وأوضح أكسوي قائلاً: “لقد تحول العمل عن بُعد من مجرد صيحة عابرة في سوق العمل الحديث إلى سمة ديموغرافية دائمة وثابتة. ومع ذلك، فإن حجم انتشار هذا النموذج يرتبط ارتباطاً وثيقاً بطبيعة القطاعات الاقتصادية التي يهيمن عليها كل بلد، فضلاً عن الأسلوب الإداري للشركات في توجيه موظفيها”.
وأظهرت البيانات أن فنلندا وأيرلندا تحلقان خارج السرب وتغردان في دوري منفصل تماماً مقارنة ببقية القارة؛ إذ يمارس نحو خُمس القوة العاملة في البلدين (20.5% في فنلندا و19.2% في أيرلندا) مهامهم الوظيفية عن بُعد.
وتعد هذه الأرقام الطموحة أكثر من ضعف المعدل العام للاتحاد الأوروبي البالغ 8.8%.
وعلى الخارطة الأوروبية، لا توجد أي دولة أخرى نجحت في كسر حاجز 14% في معدلات العمل عن بُعد باستثناء هذين البلدين.
وتأتي بلجيكا في المرتبة الثالثة بنسبة 13.2%، تليها ألمانيا بنسبة 13% ثم مالطا بنسبة 12.5%.
كما تحافظ دول شمال وغرب أوروبا مثل فرنسا، النمسا، هولندا، والسويد على استقرار معدلاتها فوق حاجز 10%.
وفي المقابل، يخيم الركود التام على الجانب الآخر من القائمة؛ حيث استقرت دول مثل بلغاريا (1.4%)، مقدونيا الشمالية (1.9%)، اليونان (2.3%)، وإيطاليا (2.7%) تحت حاجز 3%.
وسجلت تركيا مؤشرات متراجعة تضعها في أواخر القائمة، لتسير بذلك على خطى دول شرق وجنوب أوروبا التي تتشابه معها في الطبيعة الهيكلية للاقتصاد.
الوضع في تركيا
ووفقاً للأرقام، استقرت نسبة العمل عن بُعد في تركيا دون حاجز الـ 5%، لتسجل 3.7% فقط، وهو ما يضعها في خندق واحد مع دول مثل صربيا، المجر، كرواتيا، والبوسنة والهرسك.
ويعزو الخبراء هذا التراجع إلى أن سوق العمل التركي لا يزال يعتمد بكثافة على قطاعات الصناعة، الزراعة، والخدمات التقليدية التي تتطلب حضوراً فيزيائياً مستمراً وتفاعلاً مباشراً في بيئة العمل.
من جهة أخرى، ورغم عدم إدراج المملكة المتحدة (بريطانيا) ضمن قاعدة بيانات “يوروستات” الرسمية الأخيرة، إلا أن الدراسات المستقلة تؤكد أن بريطانيا لا تزال تحتفظ بالمرتبة الأولى كأعلى دولة في معدلات وكثافة العمل عن بُعد على مستوى القارة الأوروبية بأكملها.
يكشف التقرير أيضاً عن تباين حاد في ثقافة العمل عن بُعد بين أكبر أربعة اقتصادات في الاتحاد الأوروبي؛ فبينما تظهر ألمانيا مرونة ملحوظة بحلولها في المرتبة الرابعة بنسبة 13%، تكتفي إيطاليا بنسبة متدنية للغاية بلغت 2.7% بسبب اختلاف طبيعة بنيتها الصناعية.
وفي غضون ذلك، نجحت فرنسا في البقاء فوق المتوسط الأوروبي بنسبة 11%، في حين تراجعت إسبانيا نسبياً لتسجل 7.9%، وهي نسبة تقل قليلاً عن المعدل العام.
وفي هذا الصدد، يسلط خورخي كابريتا، مدير الأبحاث الأقدم في المؤسسة الأوروبية لتحسين ظروف المعيشة والعمل “يوروفاوند”، الضوء على الأسباب التقنية والقانونية الكامنة وراء هذا المشهد. وأكد كابريتا أن البنية التحتية الرقمية تلعب دوراً حاسماً؛ فالوصول إلى شبكات إنترنت سريعة يغذي بصفة مباشرة فرص العمل عن بُعد، بينما يؤدي ضعف الاتصال إلى عرقلة هذه المنظومة.
كما أشار إلى القوة التحويلية للتشريعات قائلاً: “إن دولاً مثل فرنسا، أيرلندا، وهولندا تمنح موظفيها حقاً قانونياً ثابتاً في ‘طلب العمل عن بُعد’، وتعتبر هذه الضمانة القانونية بمثابة المحفز الأكبر والركيزة الأساسية وراء هذا التحول الرقمي”


















