جوكهان باجيك
نتابع جميعًا في تركيا، آخر التطورات المتعلقة بهجوم تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي (داعش) ،على بلدة عين العرب (كوباني)، ذات الأغلبية الكردية، الواقعة في شمال سوريا، ونحن الآن نشهد هذه الفترة وهذه التطورات، لكننا غير مدركين أن الأحداث التي تدور من حولنا قد تُحدث تغييرات في تركيا، قد لا يكون الرجوع عنها ممكنا مرة أخرى.
ويمكننا أن نعلق على الأحداث من اتجاهات ووجهات نظر مختلفة، لكنني أريد أن أضع خطا تحت بعض الملاحظات التي من الممكن استنتاجها عبر ما حدث في الـ48 ساعة الأخيرة:
1- إن منظمة حزب العمال الكردستاني الإرهابية (PKK)، وكل ما يتبعها من اتحاد الجماعات الكردية (KCK)، وحزب الشعوب الديموقراطية (HDP)، ومنظمة صقور حرية كردستان (TAK)، وغيرها من المنظمات، يظهر اليوم أمام الجميع أنها لم تفقد من قوتها شيئًا قط. بل على العكس تمامًا، فإذا نظرنا إلى الفترة منذ بداية مفاوضات السلام مع الحكومة التركية وحتى وقت قريب، نجد أن الهيكل التنظيمي للكردستاني أصبح أكثر قوة مما كان عليه من قبل.
2- ومنذ الإعلان عن بدء مفاوضات السلام بين الطرفين بشكل متبادل، توقفت المصادمات والاشتباكات بينهما، لكن لم يتم اتخاذ أية خطوة في سبيل تنفيذ عملية نزع السلاح أو أي تغييرات قانونية، وبناء عليه، لا ندري ما إذا كان المطروح على الساحة الآن، هو مفاوضات سلام، أم وقف إطلاق نار شامل؟
3- يبدو أن منظمة حزب العمال الكردستاني أصبحت لها قوة مؤثرة على الحياة اليومية في مناطق واسعة من البلاد، لدلاجة أن المنظمة باتت لها قوة تستخدمها حتى في عدد من المدن الغربية في البلاد كذلك.
4- وإضافة إلى ذلك هناك زيادة ملحوظة في قوة المنظمة على المساومة،مع كل تطور جديد، ففي الوقت الذي كانت المفاوضات تجري معها لإلقاء السلاح قبل عامين، نرى اليوم، ومع تطور الأحداث، أننا أصبحنا في موقف التفاوض معها على إنهاء حالة الفوضى في المدن، وهذا يعني أن المنظمة تطبق استراتجية ناجحة في داخلها.
5- كلما زاد تأثير وهيمنة المنظمة في البلاد، كلما تراجعت قدرة أنقرة على إيجاد استراتيجية موازية للرد عليها. ليتبقى أمام أنقرة فقط، استراتيجية التلويح بورقة “عبدالله أوجلان”، زعيم المنظمة المحكوم عليه بالسجن مدى الحياة.
6- إن منظمة حزب العمال الكردستاني قدمت استعراضًا خطيرًا للقوة، فقد قامت بحرق المباني الحكومية والمدارس بطريقة مخططة، وقامت بقطع الطرق والسيطرة على عدة مناطق لم تكن بالحسبان، وكل هذا ليس محض صدفة، بل هي رسالة من المنظمة تقول: “استطيع أن أفعل ما أريد في المكان الذي أريد، وأنا من يحدد شروط اللعبة”.
7- إن قضية عين العرب (كوباني) غيرت مفهوم حزب العمال الكردستاني لدى المجتمع الدولي، فقد بدأت قوات التحالف الدولي في الاتصال المباشر مع بعض العناصر من تنظيم (YPG)، الذراع المسلح لحزب الإتحاد الديمقراطي الكردي السوري.
8- أظهرت تطورات الأحداث في كوباني، إشارات أولى حول تغير النظرة الإيرانية الملحوظة للقضية الكردية، من خلال حزب العمال الكردستاني، فقد وجهت طهران انتقاداتٍ لتركيا، فيما يتعلق بأزمة كوباني، وليس من الواضح حتى الآن، إذا كانت سياسة إيران ضد داعش، مستندة على مبدأ “عدو عدوي صديقي” ولكن يبدو أن هناك موقف أكثر من ذلك.
9- كما تسببت أزمة كوباني في خلق وتثبيت فكرين لدى المجتمع الدولي، بخصوص تركيا: الأول، هو اتباع تركيا سياسة خاطئة في التعامل مع أزمتي داعش وكوباني، فبالفعل بدأ مفهوم سلبي عن تركيا في موضوع داعش يترسخ لدى الرأي العام الدولي، والثاني، هو رسوخ قناعة عن دخول تركيا في مرحلة من الفوضى في التعامل مع الأزمة الكردية.
هناك خطر كبير وقد تغيرت أشياء كثيرة
إن الدولة التركية لم تستطع إيقاف أي عصيان عرقي وإقناع الثوار ، منذ عصيان اليونان/ مورا عام 1840 تقريبًا، فكل محاولات العصيان العرقية التي قام بها كل من الصرب، والألبان، والعرب، وغيرهم قد انتهت بالانفصال والاستقلال.
ومختصر القول هم أن دولتنا كانت تثبت فشلها في مواجهة الأزمات مع أي محاولات للعصيان العرقي منذ القرن التاسع عشر وكذلك جرت العادة.
وحال الدولة التركية الآن معروفة وواضحة للعيان، كالمعتاد، فيما يتعلق بآخر الأزمات العرقية، (الأزمة الكردية).
لا أحد يستطيع أن يتنبأ بما قد تفرزه لنا الأحداث غدًا، ولكن وفقًا للمعطيات الحالية بحسب تطور الأحداث، إذا قيل إن من بين الاحتمالات أن تكون نهاية الأزمة الكردية هي انفصال الأكراد عن تركيا”، فإن هذه قد لا تكون نظرية مستبعدة تماما.
طبعا لا أحد يود أن يتحقق هذا الاحتمال، لكنه أصبح قائمًا بالفعل، وجميعنا يعلم أن اليأس ليس شيئا جيدا، لكن علينا أن ندرك مدى خطورة الموضوع، ونناقش ما يجب علينا فعله من أجل الحل، لأن النيران قد تكبر كثيرا وتلتهم الأخضر واليابس، فالواقع أننا، الأتراك والأكراد، العلمانيون والمتدينون، نلعب بالنار.. الواضح أننا “أمة تحب اللعب بالنار”.

















