أنقرة (زمان التركية)- تشهد الساحة الإعلامية والاقتصادية في تركيا موجة غضب عارمة ضد تصاعد مشاهد العنف في الدراما التلفزيونية، وذلك في أعقاب الهجمات المأساوية التي استهدفت مدارس في مدينتي شانلي أورفا وكهرمان مرعش.
وفي تحرك هو الأول من نوعه، بدأت كبرى الشركات التركية اتخاذ خطوات عقابية ضد الأعمال التي “تطبع” مع لغة العنف، معلنةً قطع الدعم الإعلاني عنها تماماً.
تأتي هذه الانتفاضة بعد أسبوع دامٍ عاشته تركيا، حيث أسفرت هجمات مسلحة على مدرستين عن مقتل 10 أشخاص، بينهم 9 أطفال، وإصابة أكثر من 35 آخرين.
وقد وجهت أصابع الاتهام فوراً إلى المحتوى التلفزيوني الذي يروج للأسلحة والبلطجة، مما دفع كبار المعلنين إلى إدراك أن صمتهم قد يفسر كشراكة في هذا النهج التربوي الخطير.
كان بنك “يابي كريدي” (Yapı Kredi) أول من أطلق شرارة المقاطعة؛ حيث صرح أدا أوزتاشكن، مدير الاتصالات المؤسسية بالبنك، بأن فريقه لن يضع أي إعلانات في مسلسلات تعتمد على لغة العنف في سردها.
ووصف أوزتاشكن هذا القرار بأنه “ليس مجرد خيار تجاري، بل هو خط أخلاقي، ومسؤولية عامة، وواجب وجداني”، داعياً زملاءه في الشركات الأخرى إلى تحمل مسؤولياتهم التاريخية.
وسرعان ما تحول هذا الموقف إلى كرة ثلج، حيث انضمت شركة “فيستل” (Vestel) العملاقة للإلكترونيات والحلول التقنية إلى المبادرة.
وأكدت دويغو باديم أويلوكجولو، المدير العام للتسويق في “فيستل”، أن الشركة لن تدرج أي محتوى يروج للعنف أو يحاول جعله أمراً طبيعياً ضمن خططها التواصلية.
كما أعلن بنك “أكتيف بنك” (Aktif Bank) انضمام كافة علاماته التجارية، مثل (N Kolay) و(Passo)، إلى هذا الحظر الإعلاني الشامل.
على الجانب الآخر، اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي تأييداً لقرار الشركات؛ حيث تداول مئات الآلاف من المستخدمين صوراً لمشاهد عنف من مسلسلات شهيرة مصحوبة بعبارة ساخرة: “مشاهدة ممتعة يا تركيا”، كنوع من الاحتجاج الصارخ.
وفي سياق متصل، أعادت هذه الأزمة تسليط الضوء على دراسة أجرتها مؤسسة “باريم” (BAREM) للأبحاث في نوفمبر 2024، والتي كشفت عن أرقام مرعبة؛ فمن بين 94 مسلسلاً تم فحصها على مدار العقد الأخير، تبيّن أن 97% منها يحتوي على عنف نفسي، و86% منها يتضمن عنفاً موجهاً ضد المرأة.
كما أظهرت الدراسة أن العنف الجسدي والاقتصادي حاضر في كل المسلسلات دون استثناء.
ما يثير قلق الخبراء هو أن نسبة مشاهدة هذه الأعمال تصل إلى ذروتها بين الفئة العمرية (15-24 عاماً) بنسبة 77%، وهو الجيل الأكثر تأثراً بما يراه على الشاشة.
ومع اتخاذ المعلنين لهذا الموقف الحازم، يبدو أن صناع الدراما في تركيا باتوا أمام خيارين لا ثالث لهما: إما مراجعة سياسات الإنتاج وتطهير الشاشة من الدماء، أو مواجهة خسائر مادية فادحة نتيجة رحيل الرعاة الكبار.


















